مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

خارطة طريق أزهرية لبناء الإنسان

 

شرفت وسعدت كثيرا بالدعوة الكريمة التي تلقيتها من كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر عن طريق الصديق العزيز د. أحمد لطفي المدرس بالكلية لحضور فعاليات الدورة الخامسة لمؤتمر الكلية العلمي الدولي الذي عقد الأربعاء الماضي الموافق  22  من الشهر الجاري بمركز المؤتمرات بالأزهر الشريف, تحت عنوان "الدعوة الإسلامية وبناء الإنسان في عالم متغير"، برعاية فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر ورئاسة أد. علي عثمان عميد الكلية، سعادتي جاءت باعتبار الدعوة هى الأولى من نوعها لمؤتمر له صبغة دينية بعد ربع قرن من العمل الصحفي حضرت وشاركت خلاله في العديد من الفعاليات والمؤتمرات والمهرجانات الفنية والإعلامية والاقتصادية وحتى الرياضية, ورغم حماسي ورغبتي الشديدة إلا أن ظروفا صحية حالت دون تلبية الدعوة الكريمة ورغم ذلك حرصت على متابعة توصيات المؤتمر التي جاءت في صورة خارطة طريق لبناء الإنسان في ظل التحولات العالمية المتسارعة، وذلك عقب جلسات علمية مكثفة ومناقشات موسعة شارك فيها نخبة من العلماء والباحثين من داخل مصر وخارجها.

وانطلاقا من عنوان المؤتمر أكدت التوصيات أن قضية بناء الإنسان التي توليها القيادة السياسية اهتماما كبيرا تمثل حجر الزاوية في نهضة الأمم واستقرار الحضارات، وأن الرسالة الإلهية جاءت لتشكيل الإنسان بناءً متوازنًا في أبعاده العقدية والمعرفية والروحية والسلوكية، بما يحقق وظيفته في الاستخلاف وعمارة الأرض، في إطار رؤية إسلامية شاملة تستوعب تحديات العصر وتحولاته المتسارعة.

والحقيقة أن صياغة التوصيات العشرة جاءت على قدر كبير من المهنية والدقة العلمية بما يحقق الغاية الأسمى من عقد المؤتمر والعمل على وضع مناقشاته والأفكار التي طرحت في جلساته موضع التنفيذ قدر الإمكان لتحقيق الفائدة الأكبر للمجتمع، وذلك من خلال الاستفادة من دراسات وخبرات وقامات علمية وأكاديمية كبيرة حرصت على وضع الرؤى العلمية المناسبة ومن منظور شرعي وفقهي إسلامي يمثل وسطية الأزهر الشريف التي يشهد لها العالم أجمع.
  
طالب المؤتمر في أولى توصياته المجامع العلمية والجامعات الشرعية في جميع أنحاء العالم الإسلامي بوضع إطار علمي مؤصل لمفهوم بناء الإنسان في الإسلام، وتضمينه في المناهج لمختلف المراحل الدراسية والبرامج التدريبية التي يتم تطبيقها على الشباب في مختلف المجالات, كما طالب المؤتمر المؤسسات الدينية بكافة أشكالها بإعادة صياغة الخطاب الدعوي الموجه للشباب ليساهم بقوة في بناء الإنسان الواعي القادر على الفهم والمشاركة والقيام بدور فاعل في المجتمع، وحتى لا ينحصر دوره في مجرد التلقي السلبي.

طالبت التوصيات أيضا كافة المؤسسات التعليمية بالعمل على تطوير منهاجها الدراسية بما يعزز مهارات التفكير النقدي لتعزيز القدرات العقلية للطلاب، وربط المعرفة العلمية  بالواقع العملي، ومواجهة فوضى المعلومات التي تنشرها وسائل الإعلام التقليدية والجديدة المتمثلة في وسائل التواصل الإجتماعي, بالإضافة إلى  دعم الدراسات الأكاديمية والمشروعات البحثية المتعلقة بالأحداث والقضايا المعاصرة وربطها بعملية صناعة القرار على كافة الأصعدة.

وشددت التوصيات على أهمية تعزيز دور المؤسسات الدينية الوسطية وعلى رأسها الأزهر الشريف، في تصحيح المفاهيم الشرعية لدى المجتمع, ومواجهة الانحرافات الفكرية للحيلولة دون انتشارها بين أوساط الشباب في مختلف مراحله العمرية, إلى جانب العمل على تفعيل التنسيق والتكامل بين وزارات الإعلام والثقافة والمؤسسات الدعوية في دول العالم الإسلامي لإنتاج محتوى معرفي يتسم بالحداثة والمواكبة وفي نفس الوقت الرصانة التي تتطلبها المحددات الشرعية، كآلية فعالة لمواجهة الخطابات المتطرفة والشبهات الفكرية باستخدام وسائل الإعلام الحديثة.

ودعا المؤتمر في توصياته أيضا لإطلاق برامج وطنية شاملة لبناء الإنسان تتكامل فيها الأدوار بين وزارات التعليم والشباب والتضامن، مع دعم دور الأسرة ومراكز الشباب في متابعة التنشئة بطريقة متوازنة وسليمة, وكذلك تنفيذ برامج توعوية مشتركة بين المؤسسات الدينية والقانونية لترسيخ ثقافة الحقوق والواجبات في المجتمع، ودعم المراكز الإسلامية بالخارج ببرامج تعليمية ودعوية منضبطة تساهم في نشر الفكر الوسطي, من خلال دمج التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في التعليم والدعوة تحت إشراف علمي متخصص لضمان الاستخدام الرشيد في نشر المعرفة الصحيحة, وأخيرا وضع خطط استراتيجية لتنمية رأس المال البشري في إطار رؤية مصر2030، بما يسهم في اكتشاف الطاقات ورعاية الكفاءات وبناء نماذج قيادية ملهمة.

واختُتمت التوصيات بالتأكيد على ضرورة استمرار التعاون بين المؤسسات الدينية والعلمية والتربوية والإعلامية، من أجل إعداد إنسان متوازن يجمع بين العلم والقيم، وقادر على مواجهة تحديات العصر والمشاركة الفاعلة في بناء مجتمعه تحت مظلة الأزهر الشريف منبر الوسطية العريق في العالم الإسلامي.

لا شك أن نجاح أي مؤتمر يتأكد من خلال تطبيق توصياته وبحوثه ومناقشاته، حيث تنبع هذه التوصيات من عمل جاد وشاق على مدار عام كامل للخروج بأفكار وآراء قد تختلف وتتنوع لكنها في النهاية تتفق لإنتاج أبحاث تفيد المجتمع، لذلك أتمنى أن تجد هذه التوصيات صدى لدى المؤسسات والهيئات المعنية للاستفادة منها على أكمل وجه في إفادة المجتمع، ولا سيما وزارة الإعلام المنوط بها توصيل الفكرة لكافة الفئات من خلال الحملات التوعوية التي تبث عبر منصاتها المختلفة، ووزارة الشباب والرياضة التي يظل دورها رائدا في التواصل مع الشباب ويمكن بالتكاتف مع الأزهر تغيير أفكارهم وتوجيهها نحو القيم الدينية الوسطية التي يحث عليها ديننا الحنيف.

يذكر أن  كلية الدعوة الإسلامية جامعة الأزهر من أهم المنابر الأكاديمية والعلمية الرائدة التي تهدف إلى تجديد الخطاب الديني ومواجهة التحديات المعاصرة حيث بدأت الكلية مسيرة مؤتمراتها العلمية الدولية بشكلها المنظم والسنوي المتتابع في السنوات الأخيرة، وذلك بأهداف متنوعة منها مواجهة الإرهاب ووضع خطط عملية لمواجهة الفكر المتطرف وتفكيك الشبهات, تعزيز الحوار والتأكيد على أن الإسلام دين تعايش وحوار وليس صداماً مع الحضارات الأخرى, التجديد والبحث في كيفية تطوير أدوات الداعية الأزهري ليتناسب مع عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي, صناعة السلام من خلال إبراز دور الأزهر الشريف كمرجعية وسطية تساهم في استقرار المجتمعات دولياً.

عقدت الكلية قبل مؤتمرها الخامس والأخير أربعة مؤتمرات كان أولها عام 2019 بعنوان "نحو صياغة استراتيجية عالمية لمواجهة التطرف: آليات التنفيذ" والمؤتمر الثاني عام 2022 بعنوان "الدعوة الإسلامية والحوار الحضاري: ركيزة للتعايش العلمي", بينما عقد المؤتمر الثالث عام 2023 تحت عنوان "نحو شراكة أزهرية في صنع السلام العالمي", ثم المؤتمر الرابع عام 2024 تحت عنوان الدعوة الإسلامية والمؤسسات الدينية:جهود الدولة ومعوقات التجديد".